الرئيسية / لبنانيات / صحافة العاصمة

صحافة العاصمة


النهار
قد لا تكون ثمة مغالاة في القول إن مهلة الساعات 72 التي حددها رئيس الوزراء سعد الحريري لـ”شركائه” في السلطة من أجل اجتراح الحل الكفيل بوقف تداعيات إحدى أخطر الازمات الداخلية التي يواجهها لبنان والتي تنتهي عملياً مساء الاثنين، تكتسب طابعاً مصيرياً تماماً ويتوقف عليها واقعيا استشراف الوجهة التي سيسلكها لبنان وسط عصف تحرك شعبي احتجاجي هائل. ذلك ان اليوم الثاني من الانتفاضة الشعبية التي انطلقت مساء الخميس شهد تطورات على الارض اثبتت بما لا يقبل جدلا ان هذه الانتفاضة باتت تصنف كأضخم تحرّك بعد “ثورة الارز” في 14 آذار 2005 مع فارق انها تكتسب طابعاً اجتماعياً واقتصادياً، في حين ان انتفاضة 14 آذار كانت ذات طبيعة سيادية واستقلالية غالبة. 

ولا تقلل هذا الفارق الاهمية الكبيرة للتحركات الاحتجاجية المستمرة في ظل تضخم حجم المشاركة الشعبية فيها والتي برزت أمس بقوة من خلال انخراط مئات الالوف من المواطنين في التحركات والتظاهرات والاعتصامات التي عمت المناطق اللبنانية، وان تكن الانظار بدت مشدودة دوماً الى وسط بيروت حيث جرت لليوم الثاني موجات التعبير الكبيرة والتي لم تسلم من مواجهات بين الحشود وقوى الامن الداخلي، خصوصاً في ساعات المساء والليل، علماً ان قوى الامن الداخلي اعلنت ان 24 من رجالها اصيبوا بجروح بسبب هذه المواجهات.

كما ان صدامات حصلت في طرابلس ومناطق أخرى، في حين طرأ تطور سلبي للغاية تمثل في قطع طريق مطار رفيق الحريري الدولي مرات عدة الامر الذي اضطر الجيش الى تنظيم عمليات نقل المسافرين بآليات عسكرية من المدينة الرياضية. وبدا اسوأ التطورات مع تعرض مجموعات من المتظاهرين ليلا تكراراً لقوى الامن الداخلي كما مع الاعتداءات على ممتلكات عامة وخاصة واضطرت القوى الامنية الى مطاردتهم واطلاق قنابل غاز مسيل للدموع لتفريقهم.

اما العامل السلبي الاخر الذي سجل أمس، تمثل في تعميم ظاهرة قطع الطرق الرئيسية بين مختلف المناطق الامر الذي شل حركة التنقل وتقطعت السبل بعشرات الالوف من الاشخاص المحتجزين منذ الخميس.

أما التداعيات الرسمية والسياسية لهذه الانتفاضة، فبلغت ذروة من التوهج في ظل الكلمة التي القاها الرئيس الحريري من السرايا مساء أمس والتي اتخذت طابعاً مصيرياً ودراماتيكياً واتسمت باهمية كبيرة نظراً الى المضامين التي طبعتها باطار لم يسبق له مثيل لجهة وضع الحريري جميع الافرقاء السياسيين الشركاء في الحكومة والسلطة امام اختبار حاسم ضمن مهلة الساعات 72 التي فاجأ بها الجميع وكانت بديلاً أخيراً وواضحاً من اقدامه على تقديم استقالة حكومته وقلبه الطاولة بنفسه، فتريث في الخطوة لثلاثة ايام فقط.وبنبرة مصارحة علنية غير مألوفة تجاه شركائه، اعتبر الرئيس الحريري “أن ما رأيناه منذ الأمس هو وجع حقيقي للبنانيين، أساسه مستوى السلوك السياسي في البلد، الذي هو السبب وراء المماطلة بالحلول والتردد بالقرارات وتعطيل الدولة أمام كل مشكل صغير وكبير، فيما كان الناس ينتظرون من الحكومة وكل الطاقم السياسي جدية في العمل، لكننا لم نقدم لهم إلا العراضات السياسية والسجالات”. وقال: “عندما أتينا إلى الخطوة المباشرة وحاولنا التنفيذ، لم تبق هناك مماطلة أو فركوشة إلا وضعت في وجهي، إن كان في موضوع الكهرباء أو خفض العجز أو تعيينات المجالس والهيئات الناظمة، التي هي أولى خطوات الإصلاح. كانت كلها تُعطل وما في شي بيمشي”.

وحدد مهلة 72 ساعة لنفسه، قائلاً: “أنا شخصياً، سأعطي نفسي وقتاً قصيراً جداً، فإما أن يعطي شركاؤنا بالتسوية وبالحكومة جواباً واضحاً وحاسماً ونهائياً، يقنعني أنا، ويقنع اللبنانيين والمجتمع الدولي وكل من يعبّرون عن الغضب بالشارع اليوم، بأن هناك قراراً من الجميع بالإصلاح ووقف الهدر والفساد، أو يكون لي كلام آخر”.

 

 

الشرق الأوسط
لم يتغير المشهد في شوارع لبنان بين مساء الخميس وطوال يوم الجمعة، حيث عمت الاحتجاجات الشعبية مختلف المناطق، وأقفلت الطرقات، احتجاجاً على الأوضاع المعيشية، وفرض الضرائب الإضافية.

من بيروت إلى الشمال والجنوب والبقاع، كانت صرخة شبه موحدة من المواطنين اللبنانيين الذين نزلوا على اختلاف انتماءاتهم وأعمارهم، في مشهد يكاد يختلف عن كل الاحتجاجات السابقة التي شهدها لبنان، لجهة بعدها عن أي مراجع سياسية، وشمولها مختلف المناطق، حتى تلك المحسوبة على الثنائي الشيعي، كما وحدة الشعارات المرفوعة، قبل أن يدعو “الحزب التقدمي الاشتراكي” وحزب “القوات اللبنانية”، المشاركان في الحكومة، مناصريهما للانضمام إلى التحركات. 

وتم الالتزام بإقفال المدارس والمصارف في مختلف المناطق، تنفيذاً لقرار وزير التربية أكرم شهيب وجمعية المصارف، وقد بدت حركة السير خفيفة جداً على الطرقات العامة والرئيسية. 

وفيما تميزت التحركات طوال ساعات النهار بالهدوء إلى حد ما، انفجر الوضع بعد دقائق من كلمة رئيس “التيار الوطني الحر”، وزير الخارجية جبران باسيل، التي لم تلقَ تجاوباً من المتظاهرين، حيث سجلت مواجهات بين القوى الأمنية والمحتجين الذين ألقوا المفرقعات النارية في ساحة رياض الصلح، بوسط بيروت. وبدت ساحة رياض الصلح ساحة حرب ليلة أمس وسط كر وفر بين مئات المحتجين وقوات الأمن. 

وطغت شعارات “الشعب يريد إسقاط النظام” و”كلن يعني كلن” (جميعهم يعني جميعهم) على المظاهرات التي عمت المناطق اللبنانية ووصلت إلى مقر رئاسة الحكومة، في وسط بيروت، أمس. وكان لمكاتب نواب محسوبين على “حزب الله” وحركة “أمل”، بينهم رئيس كتلة “حزب الله” محمد رعد، إضافة إلى نواب الحركة ياسين جابر وهاني قبيسي وعلي بزي، حصة من الاحتجاجات، حيث انتشرت صور ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر تكسير لوحات أمام مكاتبهم. كما تم بث فيديوهات لإحراق صور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. 

وفيما كان يسجل تزايد في أعداد المشاركين مع ساعات النهار، كان المحتجون يعمدون إلى إقفال الطرقات بالإطارات المشتعلة، مع محاولات مستمرة للقوى الأمنية لفتح بعض المسارب، تسهيلاً لمرور السيارات.

وظهراً، أعلنت قوى الأمن الداخلي أن عدد الإصابات في صفوف عناصرها وصل إلى 60، وقالت في بيان: “مع حرصنا وإيماننا بحرية التعبير، فإننا لن نقبل بالاعتداء على عناصر قوى الأمن، وعلى الأملاك العامة والخاصة”، ونبهت إلى أن “كل مخل بالأمن، وكل شخص تبين أنه اعتدى على الأملاك العامة والخاصة، وعلى عناصر قوى الأمن، سيتم توقيفه وفقاً للقانون”. وطلبت قوى الأمن من المواطنين التظاهر برقي، وعدم اللجوء إلى الفوضى والعنف.

وفي طرابلس، توتر الوضع مساء على خلفية قيام مناصرين لنائب سابق بإطلاق النار عشوائياً على المتظاهرين في ساحة النور، ما أدى إلى سقوط قتيل وستة جرحى.

ويعد وزير الداخلية السابق زياد بارود أن انتفاضة الشارع التي انفجرت الخميس، بعد فرض الرسوم على المكالمات الصوتية عبر الإنترنت، ليست إلا نتيجة تراكمات عاشها اللبناني في السنوات الأخيرة، وتحديداً الانكماش الاقتصادي، وتداعياته التي وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة. وبالتالي، كان من الطبيعي أن تصل الأمور إلى هذا الحد من الغضب.

ويقول لـ”الشرق الأوسط”: “غضب الناس بات مبرراً وهم الذين منحوا السلطة فرصة أولى في الانتخابات، وثانية عند تشكيل الحكومة، آملين أن تقدم لهم شيئاً من تدابير وإجراءات جدية ما، فإذا بها لا ترى الإصلاحات إلا في الضرائب التي تمس جيوب الفقراء”. 

ويضيف: “قد يكون الوضع بحاجة إلى تدابير غير شعبية، إنما ليس ضرائب بالشكل التي تم طرحها، في حين كان هناك خيارات أخرى بإمكان السلطة اللجوء إليها، كرفع السرية المصرفية، واستعادة الأموال المنهوبة، وخفض رواتب الوزراء والنواب، لكنها لم تقدم على أي خطوة منها”.

 

اللواء
جلسة للحكومة اليوم 
وعلمت “اللواء” من مصادر القصر الجمهوري ان الرئيس عون استمع الى كلمة الحريري، وهو سيتابع اتصالاته للوصول الى حلول سريعة للأزمة ووضع الاصلاحات المطلوبة من خلال ما ورد في ورقة بعبدا الاقتصادية – المالية التي اتفقت عليها كل الاطراف السياسية، وان هذه الاتصالات تركزت على عقد جلسة سريعة لمجلس الوزراء اليوم في قصر بعبدا، مع ضمان خروجها بقرارات.

وتلقى الرئيس الحريري اتصالاً أيضاً من الرئيس نبيه برّي ومن حزب الله تمنيا عليه عدم الاستقالة. 

وذكرت المصادر ان الرئيس عون كان اول من دعا الى الاصلاحات ووضع لها برنامجا، ومعظمها من ضمن ما يطالب به المحتجون الان في الشارع. لكن توجيه المسؤولية الى عهده وحده امر ليس في مكانه، بل هو استهداف سياسي معروف ويحصل من قبل اندلاع الاحتجاجات. 

كما علمت “اللواء” ان الوزير باسيل اتصل بالرئيس الحريري بعد توجيه كلمته مساء، وقال له: لماذا ننتظر 73 ساعة؟ فلنبدأ فوراً البحث بكل الحلول والاصلاحات ونتفق عليها. 

باسيل: طابور خامس 
وكان الوزير باسيل استبق إطلالة الرئيس الحريري، بزيارة للرئيس ميشال عون في قصر بعبدا مع وفد من نواب ووزراء تكتل “لبنان القوي” مستأذناً التحدث من منبر بعبدا، للادلاء ببيان، محاولاً الالتفاف على مطالب المتظاهرين، عن طريق الاعتراف بأنه “حابل مثلهم” من تراكم الأزمات والاخفاقات مما أدى إلى عدم قدرة النّاس على التحمل. 

وإذ أكّد ان ما حصل كان “متوقعاً”، وان “الآتي أعظم ان لم يتم استدراكه”، لفت إلى ان “هناك من يشن من الداخل الحرب الاقتصادية على لبنان ويدعو إلى إسقاط العهد، وهو يركب اليوم موجة شعبية صادمة لحرفها عن مسارها المحق من أجل تحقيق غاياته السياسية المعلنة بإسقاط رئيس الجمهورية والحكومة ومجلس النواب المنتخب حديثاً ولاول مرّة بشكل عادل”. 

وقال ان “ما نشهده حالياً يمكن ان يُشكّل فرصة لإنقاذ لبنان واقتصاده من الفساد والسياسات المالية والاقتصادية الخاطئة، كما يمكن ان يتحوّل أيضاً إلى كارثة كبيرة اقتصادية ومالية واجتماعية وأمنية، ويدخل لبنان في الفوضى والفتنة”، مشدداً على “اننا امام خيارين متناقضين: الانهيار الكبير أو الانقاذ الجريء”، مشيراً إلى انه “بالامكان القيام بالاصلاحات وإقرار الموازنة في أيام معدودة، لا ان نعطي النّاس وعوداً للخروج من الشارع بل ان نجتمع ونعمل فيما النّاس لا يزالون في الشارع”. 

وإذ اعتبر ان “ما يحصل ليس موجهاً ضد العهد أو ضد التيار، كشف ان بعض مؤيدي التيار يشاركون في التظاهرات، لكنه نبههم بوجوب عدم الانجرار وراء أي قرار خاطئ، ولفت الىان هناك سلّة إصلاحات طرحها الرئيس عون في ورقة بعبدا، ووافقت عليها نظرياً كل القوى المجتمعة، إنما يجب تنفيذها، وان التكتل وضع ورقة في السياق تشمل الكهرباء والهدر في الدولة والفوائد العالية في خدمة الدين والنازحين وقوانين الفساد والاقتصاد والاستفادة من ثروات لبنان والاملاك البحرية والنهرية والجوية والعقارية والمائية والنفطية والبشرية تحت عنوان “لبنان غني إنما منهوب”. 

جنبلاط 
واثارت أطلالة باسيل، قبل ظهور الرئيس الحريري ردود فعل سلبية، من حزب “القوات اللبنانية” والحزب التقدمي الاشتراكي، اللذين وجدا فيها نوعاً من الغطرسة والاستمرار في الاسطوانة، فيما لاحظ رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط ان باسيل ظهر وكأنه رئيس، مشيراً إلى ان الرئيس الحريري توجه خلال كلمته إلى “حزب الله” وإلى سائر الفرقاء، مبدياً اعتقاده ان كلامه يعني انه يجب تعديل التسوية القائمة، لأن الظروف السياسية تغيرت، معتبرا ان مهلة الـ72 ساعة التي اعطاها الحريري قد لا تغير أي شيء، وقد تزيد الضغط الشعبي، معلناً انه يتجه للخروج من الحكم والبقاء في المعارضة الهادئة والموضوعية، لأن هذا الحكم ليس لنا.

وكشف جنبلاط ان رئيس حزب “القوات” سمير جعجع اتصل به وانه قال له: “اننا ركبنا السفينة مع الحريري سوياً ولن نتركها الا سوياً، وانه علينا ان نتضامن سوياً”، مؤكداً ان المطالب الشعبية محقة جداً والمعادلة تتطلب تعديلاً حكومياً، وقال انه “لا يريد ان يكون شاهد زور في الحكم”. 

وشدّد على ان أهم شيء هو ان تبقى التظاهرات سلمية وان لا تخرج عن السيطرة، لافتاً إلى ان الطبقة السياسية تغيرت كثيراً وتتغير، واننا لا نسيطر على أهلنا الا بالتراضي، مؤكدا انه يفضل ان يبقى الحريري في الحكم مع تحديد شروطه مع الاقوياء. 

اما جعجع، فقد خالف بالنسبة لبقاء الحريري في الحكومة، قال انه “يتفق معه في توصيف الواقع المأزوم، ولكن يجب الاستفادة من الزخم الشعبي بنقلة نوعية عبر تشكيل حكومة جديدة بعيدة عن الطقم السياسي الحالي”.

وكان رؤساء الحكومة السابقين: نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام قد اعلنوا تضامنهم مع الرئيس الحريري، مؤكدين رفضهم أي محاولة لاستفراد الحريري أو تحميله مسؤولية الأزمات من خلال التنصل من المسؤوليات والنهج المتكرر لفرض تجاوزات دستورية تستهدف بالدرجة الأولى مقام رئاسة الحكومة ودور رئيس الحكومة ومجلس الوزراء مجتمعاً.

الأخبار
هل يكون زجاج واجهتَي مصرفين في وسط بيروت أمس كـ”بلاطة” حائط فندق “لوغراي” في المنطقة عينها عام 2015؟ حينذاك، كان سقوط “البلاطة” الشرارة التي أطفأت التحرّكات التي انطلقت إثر أزمة النفايات. الأجهزة الأمنية التي تعاملت مع المتظاهرين أول من أمس بمستوى منخفض نسبياً من القمع، لجأت أمس إلى العنف المفرط، في مواجهة من تسمّيهم “المشاغبين” الذين كسروا زجاج واجهتَي مصرفين، ما يُنذر بإمكان اللجوء إلى القمع في وجه التحركات! قبل ذلك، كانت القوى المكوّنة للحكومة تتقاذف مسؤولية الأزمة التي فجّرت الغضب الشعبي، بصورة كرّرت فيها ما تُجيده: المزيد من الكذب 

لم تعُد البلاد مُستعصية على الثورات. انتفاضة شعبية يشهدها لبنان من أقصاه إلى أقصاه، فجّرتها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السيئة، بفعل تمادي السلطة في سياسة التجويع وفرض إجراءات ضريبية، لا هدف لها سوى تركيز الثروة في يد القلة من اللبنانيين. للمرة الأولى منذ التسعينيات، لم يعُد الشارع فسيفساء من الانتماءات الطائفية المُتناحرة. خرج منذ يومين بهوية وطنية جامعة لا ولاء فيها للطوائف، ليقول للطبقة الحاكمة “كفى”، ولا يزال مستمراً في تحركه، فاتحاً الباب على مصراعيه أمام الأحزاب والتيارات السياسية التي أثبتت يومَ أمس أنها تغرق في حالة من الإنكار التام. فأمام زخم الغضب الشعبي والغليان الذي قُطع معه عدد كبير من الطرق التي تربط المناطق في مختلف المحافظات، واصل المسؤولون تقاذف مسؤولية الفشل والإخفاق والوعود الكاذبة، كما لو أنهم أمام أزمة سياسية عادية كتلكَ التي تُحلّ على طريقة “تبويس اللحى”. وليلاً، لجأت السلطة إلى العنف المفرط، لتفريق المتظاهرين، بذريعة ملاحقة “المشاغبين الذين اعتدوا على الأملاك الخاصة والعامة”. صدف أن استخدام قدر كبير من العنف، من قبل الجيش وقوى الأمن الداخلي، بدأ بعد تكسير واجهتي مصرفين في وسط بيروت.

وحتى يوم أمس، لم يكُن أهل السلطة قد استوعبوا بعد أن القصة ليسَت قصّة رغيف ولا زيادة أسعار المحروقات والدخان وأزمة دولار، ولا حتى فرض رسوم على تطبيق “واتسآب”، بل قصة كيل طفح بمكيال الكذب والإفقار والظلم وحجم البطالة والركود الاقتصادي ونظام المُحاصصة. إذ حاولت أغلبية القوى المشاركة في الحكومة ركوب موجة التحركات الشعبية، وخلق شارع مقابِل شارع عبر تبادل الاتهامات، لكنها فشلت في ذلك. الكل بدأ يتحدث كما لو أنه في موقع المعارضة ولا علاقة له بكل الإجراءات التي اتُّخذت في المرحلة السابقة.

هذه اللعبة بدأها النائب السابِق وليد جنبلاط من خلال تحريك شارعه للتصويب على “العهد” في محاولة لتمييز نفسه. ولحق به رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع الذي جاءت مواقفه وجنبلاط مشجّعة لاستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري ورمي كرة النار بين يدي رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر وحزب الله. الأمر الذي دفع برؤساء الحكومات السابقين للتضامن مع الحريري ورفضهم الاستفراد به. فيما كان لافتاً وواضحاً ارتباك كل من حركة أمل وصمت حزب الله. أما التيار الوطني الحرّ فقد حاول رئيسه الوزير جبران باسيل الاستثمار في غضب الناس لصالحه. الأخير خرج بعدَ لقاء مع رئيس الجمهورية ميشال عون وعدد من وزراء التيار ليخاطب الناس. وقف على منبر قصر الرئاسة في بعبدا، ليلقي كلمة موجهة إلى اللبنانيين، كما لو أنه متحدث باسم الرئاسة. قال بأنه “يتفهّم” غضب الشارع، معتبراً أن “ما يحصل هو لصالحنا وليسَ ضدنا”، مكرراً معزوفة الإصلاحات التي يريد العهد تطبيقها، لكنّ أطرافاً أخرى تمنعه من ذلك. علماً أن هذه الإصلاحات التي يتحدّث عنها باسيل وغيره ممن هم في الحكومة، من المستقبل الى القوات الى الاشتراكي ليست ذات منفعة، بل هي إجراءات ستزيد من حجم المشكلة وتأخذ البلاد نحو الانهيار. وراح باسيل يرمي الوعود كعادته من نوع تأمين الكهرباء، قائلاً إنه ضدّ الضرائب، مع أنه هو نفسه الذي شارك في اقتراحها وفي إقرارها. 

وفيما كان الرصد طوال يوم أمس لإطلالة الحريري، طُرح سؤال حول إمكانية إسقاط حكومة الأخير في الشارع، استناداً إلى المشهد الراهن الذي أعاد لبنان إلى ما سبقَ واختبره في أيار عام 1992، حين أدّت التظاهرات إلى إسقاط حكومة الرئيس الراحل عمر كرامي. غيرَ أن الرئيس الحريري لعب الدور نفسه الذي سبقه إليه كل من باسيل وجعجع وجنبلاط، محاولاً إظهار نفسه بمظهر الضحية. رئيس الحكومة، رأس السلطة التنفيذية، حاول تبرئة نفسه، بتحميل شركائه فيها مسؤولية الانقلاب على الإصلاحات والاتفاق، معطياً مهلة 72 ساعة وإلا “سيكون هناك كلام آخر”.

البناء
مع القرار الذي بدأ الجيش والقوى الأمنية بتنفيذه من العاشرة ليل أمس، بدعم القوى الأمنية لفضّ الاعتصام الرئيسي الذي نظّمه المنتفضون في ساحتي رياض الصلح والشهداء، بعدما نجحت أعمال التكسير والحرق واقتحام مصارف ومحال تجارية بتقديم الذريعة للتحرّك الأمني، دخل لبنان مرحلة طي صفحة الانتفاضة التي بدأت بمشهد شعبي ناصع صارخ، سواء لجهة التعدّد العابر للطوائف والأحزاب والمناطق، أو لجهة الحشود الضخمة التي شاركت في التوافد إلى ساحات الحضور الشعبي التي زادت عن المئة نقطة على مساحة لبنان شمالاً وجنوباً وجبلاً وعاصمة، خصوصاً بعدما ظهرت الجماعات التي دخلت على خط الانتفاضة سواء للتخريب، أو للاستغلال عبر ما تناقلته بعض المجموعات على الواتساب عن معلومات من ظهور مجموعات على الدراجات النارية تنقل المواطنين عبر الطرق المقطوعة مقابل بدلات مالية وضعت لها تعرفة على طريق المطار بخمسين دولاراً مثلاً.

توزّعت الصورة السلبيّة على كل ضفاف المشهد، انتفاضة بيضاء يركب موجتها التخريب والابتزاز ومحاولة تحويرها نحو بعض الاستثمار السياسي، ورئيس حكومة يتقدّم بخطاب للرأي العام لا يرى من خلاله أنه مسؤول ولو جزئياً عن تفجير هذه الانتفاضة الغاضبة، التي فجّرها قرار تبرّع وزيره للاتصالات محمد شقير بتسويقه حتى منتصف ليل أول أمس عبر شاشات التلفزة، بل أكد أن وصفته للحل صحيحة، وقرار الوزير بعض يسير منها، ووفقاً لرسالة رئيس الحكومة المشكلة بعدم وجود دعم كافٍ لقراراته من شركاء الحكم، الذي يلومهم الناس على صمتهم يوم موقعة الواتساب التي مرّت بسلام لو لم ينتفض الناس. فكيف برفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 15 . ومن جهة موازية الصورة السلبية التي تجسّدت بالذي تعرّض له الناس في الساحات من قسوة واعتقالات وملاحقة، وما بدا من فراغ في الساحة السياسية لحلول ورؤى تضمن ملاقاة الشارع، ومخاطبته بلغة مسؤولة. 

في المواقف السياسية للأطراف المعنية، حركة أمل التي توقفت عند الانتفاضة كتعبير مشروع عن الغضب، لفتها الذي تعرّضت له من محاولات لحرفها نحو استهداف الحركة ومكاتب نوابها، بينما التيار الوطني الحر على لسان رئيسه وزير الخارجية جبران باسيل، بدا في موقف مشابه أدلى به من القصر الجمهوري بعد لقاء مع رئيس الجمهورية ضمّه مع وزراء ونواب تكتل لبنان القوي، فيما كان ثنائي القوات والاشتراكي على لسان رئيسيهما النائب السابق وليد جنبلاط وسمير جعجع يحوّلان الانتفاضة لمنصّة هجوم على حزب الله. وهما يشجّعان الرئيس الحريري على الاستقالة، بِرهان ترك رئيس الجمهورية تحت ضغط مطالبة مشابهة بالاستقالة، وتحميل حزب الله مسؤولية التعاطي مع الوضعين المالي والاقتصادي، في ظل الهجمة التي يتعرّض لها دولياً. وهذا البعد الذي سيحضر في إطلالة منتظرة للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله اليوم، كان حاضراً في قراءة الحزب السوري القومي الاجتماعي عبر مواقف أدلى بها رئيس الحزب فارس سعد تعليقاً على ما شهده لبنان، معتبراً أن الغضب المشروع تعبير عن عقم وإفلاس السياسات الخاطئة، مؤكداً رفضه للضرائب التي تطال المواطنين خصوصاً الطبقات الأشدّ ضعفاً، ودعوته للانفتاح على المحيط القومي، خصوصاً في ظلّ الفرص الهامة التي يوفرها للاقتصاد التعاون مع سورية والعراق.

أشار رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي فارس سعد الى أن “لبنان يمرّ بمرحلة دقيقة جداً، وهناك عقوبات أميركية تستهدف البلد كله، وبدلاً من أن تتحمّل الحكومة مسؤولياتها لمواجهة هذه العقوبات من خلال فتح نوافذ اقتصادية، لجأت الى فرض ضرائب جديدة، في وقت الناس لم تعد قادرة على تحمّل أيّ نوع من أنواع الضرائب، ونحن حذّرنا منذ البداية من اللجوء إلى تحميل المواطن وزر فشل الحكومة في اجتراح الحلول للمشكلات والأزمات الاقتصادية والمعيشية”.

وشدّد في سلسلة مواقف لوسائل الإعلام على ضرورة أن تتحمّل الدولة مسؤولياتها وأن تأخذ مطالب الناس بعين الاعتبار، وتبحث عن حلول مجدية، لا عن مسكنات، وأن تبادر سريعاً وبصورة جدّية الى فتح ممرات سياسية واقتصادية مع المحيط القومي وخصوصاً مع سورية والعراق، لما في ذلك مصلحة لبنان واللبنانيين. وكلّ ما سبق تضمّنته الورقة الاقتصادية التي تقدّمنا بها، وهذا هو موقفنا وننتظر خطوات جدية تنقذ البلد من الأزمات وتضعه على سكة الخلاص.

وأكد أن موقف الحزب واضح وقاطع برفض خصخصة قطاعات الدولة اللبنانية المنتجة ورفض أية ضرائب تفرض على المواطنين، لافتاً إلى أنّ هذا الموقف ثابت وقد أكدنا عليه في اللقاء الاقتصادي الاستثنائي الذي انعقد في القصر الجمهوري مؤخراً.

وسُجّلت ليل أمس، مواجهات عنيفة بين المتظاهرين الذي رابطوا في ساحتي رياض الصلح والشهداء وبين القوى الأمنية ما أدى الى سقوط جرحى من الطرفين، وتوجه حشد من المعتصمين الى محيط القصر الجمهوري ووقعت مواجهات مع القوى الأمنية لمنعهم من الدخول باحة القصر.

وتظهّرت خيوط الاستثمار السياسي الخارجي بمواقف كل من حزبي القوات و الاشتراكي إن بدعوتهما للمشاركة في التظاهرات وإن بالتصويب على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعهده الرئاسي ودعوة رئيس الحكومة سعد الحريري للاستقالة، رغم أنهما مشاركان في الحكومة والسلطة! ورغم أن جنبلاط بحسب مصادر سياسية لــ البناء هو جزء أساسي من السلطة طيلة الحكومات السابقة وأحد المسؤولين عما آلت اليه الاوضاع المالية والاقتصادية وشريك في الصفقات والسمسرات منذ اتفاق الطائف حتى الآن . ودعا رئيس حزب القوات سمير جعجع الحريري الى تقديم استقالة الحكومة تمهيداً لتشكيل حكومة أخرى مختلفة تماماً وجديدة تماماً تستطيع قيادة عملية النهوض الاقتصادي المطلوبة في البلد ، ما أعاد الى الأذهان موقف جعجع أبان أزمة احتجاز الحريري في السعودية حيث أيّد جعجع آنذاك استقالة الحريري. 

وحمل جنبلاط بشدّة على الرئيس عون والوزير جبران باسيل، وقال عبر تويتر : يحاول العهد من خلال رجله القويّ أن يرمي المسؤولية على الغير وهو الذي عطل كل المبادرات الإصلاحية الممكنة وحرّض عليها مستخدماً كل الوسائل . ودعا مناصريه الى التحرّك الهادئ السلمي ضد هذا العهد الذي خرّب كل شيء واستأثر بكل شيء .

شاهد أيضاً

إطلالة لعون مساء الثلاثاء

يطل رئيس الجمهورية ميشال عون عند الساعة الثامنة والنصف من مساء الثلثاء، ومن المتوقع أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *